غزة/ دعاء الحطاب:
على مدار أكثر من خمسة عشر عاماً، اعتاد المواطن أبو محمود النواجحة (65عامًا) أن يقتطع جزءًا بسيطاً من دخله المتواضع، ويضعه في صندوق حديدي صغير خبأه داخل خزانته القديمة، واضعاً نصب عينيه حلماً واحداً "أداء فريضة الحج برفقة زوجته".
لكن حرب الإبادة على قطاع غزة بددت كل شيء، فالصندوق الذي كان يحمل مدخرات "حجة العمر"، فُتح أخيراً، لا لتجهيز حقائب السفر إلى مكة المكرمة، بل لتأمين الطعام والماء وأجرة النزوح، بعدما وجد الرجل الستيني نفسه وعائلته في مواجهة ظروف معيشية قاسية فرضتها الحرب المستمرة.
يقول النواجحة، بينما يتفقد أوراقاً قديمة احتفظ بها لسنوات: " كنت أجمع المال شيكل فوق شيكل، وأقول عندما أكبر قليلاً سأذهب للحج، لكن الحرب لم تترك لنا شيئاً".
ومع اقتراب موسم الحج للعام الثالث على التوالي، يعيش آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة حالة مركبة من الحرمان، لا تقتصر فقط على منعهم من السفر وأداء الفريضة، بل تمتد إلى فقدان الأحلام التي ادخروا لأجلها سنوات طويلة.
"أحلام تبخرت"
ويتابع لـ "الاستقلال":" كل مبلغ جمعته للحج صرفته خلال الحرب على الخيام والنزوح والطعام حتى نبقى أحياء، لم يعد هناك شيء اسمه ادخار".
و يضيف بنبرة يأس: "كل سنة أقول ربما تكون الفرصة القادمة، لكن السنوات تمر والحرب تستمر، وأخاف أن أموت قبل أن أرى الكعبة"، مستدركاً:" كان حلم حياتنا السفر الى بيت الله الحرام، ونكحل عينا برؤية الكعبة، أم الآن أحلامنا تبخرت، واصبحنا نحلم فقط بانتهاء الحرب".
وأشار النواجحة إلى أن أكثر ما يؤلمه ليس خسارة المال، بل شعوره بأن العمر يمضي سريعًا بينما يظل حلم الحج بعيد المنال.
وأوضح أنهم كانوا قبل الحرب يعتبرون الحج مشروع عمر طويل، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التى جعلت جمع تكاليف الرحلة يحتاج سنوات من الإدخار، أما اليوم فقد تغيرت الأولويات بالكامل.
"شوق معلق"
ومنذ ثلاث سنوات، لم تفتح الحاجة أم نبيل حماد (59 عاماً) حقيبة الحج التي وضعت داخلها "ملابس الإحرام البيضاء، وجواز سفرها، و دفتراً صغيراً كتبت فيه أدعية كانت تنوي قراءتها أمام الكعبة".
بعيون دامعه، تقول حماد لـ" الاستقلال":" منذ عامين أجهز نفسي للحج وأبقي منتظرة على أحر من الجمر اتصالاً من صاحب مكتب الحج والعمرة يعلمني موعد السفر للبيت الحرام، لكن للأسف حرمنا من هذه اللحظة حتى اليوم بسبب الحرب".
فعندما حالف الحظ "حماد" في قرعة الحج، بدأ العدوان الإسرائيلي على غزة وحرمها ومئات الحجاج من أداء الفريضة للعام الثالث على التوالي، بسبب إغلاق قوات الاحتلال معابر القطاع، ووضعها قيوداً على سفر السكان وعودتهم.
بصوتٍ منكسر، تتابع:" العامين الماضيين عندما توافد الفلسطينيون الى مكة بدون حجاج غزة، شعرنا بألم وقهر كبير في قلوبنا، و تأملنا أن تعوض فرحتنا بهذا الموسم خاصة في ظل وقف إطلاق النار، لكن ما توقعنا أن يبقي الألم نصيبنا"، مضيفةً:" أجسادنا مُحاصرة لكن قلوبنا وأرواحنا مُعلقة بمكة".
ورغم الحرب والدمار، لا تزال (حماد) تتمسك بالأمل، مؤمنه بأن الطريق إلى مكة قد يُفتح يوماً ما، مهما طال الانتظار، قائلة :"كلما اقترب موسم الحج أشعر بشوق كبير، أدعو الله فقط ألا أموت قبل أن يكتبها لي".
قهر وظلم
ولم يكن حال الحاج أبو ياسر الهور (66 عاما)، أفضل من سابقيه، فهو الآخر قد بكت عيناه شوقاً لمكة المكرمة منذ سنوات طويلة، لكنه لم يتمكن من رؤيتها رغم خروج اسمه في قائمة الحجاج لعام 2023، بسبب استمرار حرب الإبادة والقيود الإسرائيلية على المعابر.
بحسرة يقول الهور لـ"الاستقلال":" إلنا عامين محرومين من أداء فريضة الحج التي انتظرناها منذ سنوات، والآن أيضا أرادوا قهرنا وظلمنا بحرماننا من أدائها للمرة الثالثة".
ويتابع بألم يعتصر قلبه: "صحيح أن قلوبنا مكسورة، وأرواحنا عطشى، ولا شيء يجبرها سوى رؤية الكعبة المشرفة، والسجود أمامها سجدة طويلة، تحط أثقال الهموم من على ظهورنا المثقلة، لكن عزاؤنا أن ما نحن فيه من صبر وبلاء، هو من أعظم العبادات أجرا".
واعتبر الهور حرمانه وأمثاله من أبناء قطاع غزة من أداء فريضة الحج، أمراً ظالماً ومجحفاً، مشيراً إلى أن القطاع بات أكبر سجنٍ على وجه الكرة الارضية والناس بداخله يعذبون ويموتون ويقتلون حرماناً و قهراً.
و أضاف: " تعبنا نفسياً ونحن ننتظر انتهاء الحرب ورفع الحصار الإسرائيلي، فهما أساس مشاكلنا وعذابنا وحرماننا من كل حقوقنا".
الاحتلال يمنع خروجهم
في حين، قالت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، إن الإغلاق الإسرائيلي، والظروف القاهرة في قطاع غزة منعتا الأهالي من الخروج لأداء فريضة الحج لهذا العام.
وأوضح وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، عصام عبد الحليم، بتصريح صحفي، أن جميع مساعي التنسيق لتمكين المواطنين بغزة من الخروج للحج "باءت بالفشل".
وبيّن أن بعثة دولة فلسطين هذا العام تضم 6,600 حاج، منهم 5,800 من المحافظات الشمالية بالضفة الغربية، والباقي من المحافظات الجنوبية بقطاع غزة؛ ولكن من المقيمين في مصر والخارج.
وفي فبراير/ شباط الماضي، أعلنت جمعية أصحاب شركات الحج والعمرة بقطاع غزة استمرار تعليق العمل بموسم الحج، احتجاجاً على عدم استجابة وزارة الأوقاف لمطالب الشركات المتعلقة بضمان حقوق الحجاج وآليات إدارة الموسم.
كما فتحت سفارة دولة فلسطين بالقاهرة، في فبراير/ شباط الماضي، التسجيل لموسم الحج للمواطنين الفلسطينيين المقيمين في جمهورية مصر العربية، من حملة وثائق السفر المصرية والإقامات المصرية السارية للعام 147/2026هـ.
وبالوقت نفسه، كان وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، قد صرح في وقت سابق بأن 2380 حاجًّا في غزة دفعوا رسومهم. منوهًا إلى أن الأوقاف تعمل بكل ما تستطيع من أجل إتمام أوراق حجاج غزة وترتيبها ضمن الحصة التي حصلت عليها من وزارة الحج السعودية؛ "لكنّ لا يوجد ضمانات تجاه فتح المعبر".
وبين النزوح والجوع والخوف، تبقى "حجة العمر" بالنسبة لآلاف الغزيين حلمًا مؤجلًا، سرقته الحرب مؤقتاً، لكنه ما زال حياً في قلوب أنهكتها المعاناة، ولم تفقد بعد قدرتها على التمسك بالأمل.


التعليقات : 0